محمد بن جعفر الكتاني
85
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
قلت : الصواب ما ذكره المنجور ، وهذا الذي نقله ابن القاضي عن " الروض الهتون " ، ولعله وقع له في نسخته منه تحريف ، ونص ما رأيته فيه آخره : « نشأت بهذه المدينة - يعني : مكناسة الزيتون - كما نشأ بها أسلافي ، وقرأت بها ، ثم ارتحلت إلى مدينة فاس [ 75 ] في طلب العلم ، أظنه سنة ثمان وخمسين وثمانمائة ، فأقمت بها ما شاء اللّه ، ولقيت من الأشياخ بالمدينتين جماعة ذكرت مشاهيرهم في الفهرسة التي سميتها " بالتعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد " ، ثم عدت إلى مدينة مكناسة ؛ فأقمت بها بين أهلي وعشيرتي زمانا ، ثم انتقلت إلى مدينة فاس - كلأها اللّه تعالى ؛ فاستوطنتها : وكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر وإنما الدنيا قنطرة للعباد * يعبرون عليها ليوم المعاد » انتهى . فراجعه . وكان سكناه بفاس بعد انتقاله إليها بحومة البليدة . وفي آخر عمره حرك « 1 » مع السلطان أبي عبد اللّه محمد الشيخ الوطاسي للإغارة على الكفرة بأصيلا ؛ فاعتراه مرض في إيابه ؛ فحمل مريضا إلى منزله بفاس ، فلما وصل إلى الموضع المعروف بعقبة المساجن من حوز فاس ؛ اشتد به الحال ؛ فأناخ به أصحابه هناك لإراحته ، فبينما هو كذلك إذ مر به الشيخ أبو محمد سيدي عبد اللّه الغزواني في سلسلة ، إذ كان السلطان المذكور قد اعتقله وأمر بإشخاصه إلى فاس ، فلقيه هناك الإمام ابن غازي ، وطلب منه الدعاء له ، وانصرف ، فلما غاب عنه ؛ قال ابن غازي لأصحابه : « احفظوا وصيتي فإني راحل عنكم إلى اللّه عزّ وجل بلا شك ؛ لأن اللّه وعدني أن لا يقبض روحي حتى يريني وليا من أوليائه ، وقد رأيته الساعة ، فدلني ذلك على انقضاء أجلي ! » . فحملوه من ساعتهم إلى منزله من فاس ، ومات بها . وكانت وفاته - كما تقدم ، وكما نقله البدر القرافي في " التوشيح " عن الفقيه شقرون ابن أبي جمعة الوهراني - عشية يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة تسع عشرة وتسعمائة ، ودفن من الغد يوم الخميس . قال في " الجذوة " : « بالكغادين داخل مدينة فاس ، بإزاء أبي عبد اللّه القوري ، وأبي الفرج الطنجي » . ه . ونحوه له في " درة الحجال " . وفيه تجوز ؛ فإن ضريح صاحب الترجمة بأول الكغادين مما يلي الروضة المعروفة بروضة أبي مدين ، أسفل منها ، عن يمين المار في الطريق المتصلة بها - كما يفيده كلام غير واحد - عند الباب الحمراء نفسها . وكان قبر صاحب الترجمة مهملا لا بناء عليه ، ثم إنه في صفر من عام خمسة وأربعين وألف وضع نقش على رأسه ليعلم بأنه قبره ؛ وفيه : فهذا ضريح الإمام الهمام * عنيت : ابن غازي سراج النظام [ 76 ]
--> ( 1 ) أي : خرج معه في حركته : جيشه .